عبد الملك الجويني
269
نهاية المطلب في دراية المذهب
الطلاق ، وأنا في كِنٍّ والليلُ ملقٍ [ سُودَ أكنافه ] ( 1 ) على الآفاق ، وقد مرّ الطائر ، فكيف أطلع على جنسه ، فاقنعوا مني بيمينٍ على نفي العلم ؛ إذ لا خلاف أن المحلوف عليه لو كان أمراً أنفيه من فعل غيري ، لكنت أحلف على نفي علمي به ، مثل أني لو قلت : إن دخلتِ الدار ، فأنت طالق ، ثم ادّعت المرأة الدخول ، كان يكتفى مني بالحلف على نفي العلم بالدخول ؛ من جهة أن إحاطة العلم بنفي فعل الغير يعسر ، وإذا كان يقع الاكتفاء بنفي العلم لتعذر الإحاطة ، فإحاطة العلم بجنس الطائر في الصورة التي ذكرناها أعسر ، والدَّرك فيه أبعد . قلنا : إن سلمت المرأتان الصورة التي [ ذكرها ] ( 2 ) الزوج ، فقد تحقق أن العلم منه بجنس الطائر غيرُ ممكن ، فهذا اعتراف منهما بأنه ليس يعلم حقيقة الحال . وإن اعترفتا كذلك ، فلا يتصوّر من واحدة منهما دعوى منضبطة عليه . وحكم هذه الصورة ما تقدم من أنهم إذا اعترفوا بالإشكال ، تُرك الأمر مبهماً ، وانقطعت طَلِبةُ البيان ، ويلزمه أن يَرُد عليهما حقوقَ النكاح . وإن ادعى الزوج حالةً لا يتصوّر معها الإحاطة بجنس الطائر ، وأنكرت المرأتان ذلك ، وادعت كل واحدة منهما على البت أنه طلقها ، فلا يُكتفى منه بادعاء نفي العلم ، وإن أبدى الجهلَ ، جُعل ذلك إنكاراً منه ، وعُرضت عليه اليمين الجازمة ، فإن تمادى على ادعاء الجهل ، جُعل ذلك بمثابة النكول عن اليمين ، وتردّ اليمين على المدعية ، فإن قال الزوج : إذا كان لا يمتنع صدقي في دعوى الجهالة ، فكيف تستجيزون إثبات الطلاق ؟ قلنا : لسنا نثبت الطلاق بنكولك عن اليمين ، وإنما أثبتناه بيمينها الجازمة في إثبات الطلاق ، ولكن سبيل الوصول إلى يمين الرد في ترتيب الخصومة ما ذكرناه . وهذا قدمنا تقديره فيه إذا قال : إحداكما طالق ، وكان قد عيّن بقلبه إحداهما ، ثم زعم أنه نسي من نواها .
--> ( 1 ) في الأصل رسمت هكذا : سودا كنا فيه . ( 2 ) في الأصل : ذكرناها .